محمد بن محمد ابو شهبة

149

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

حرب شديدة بينهم ، وبين خزاعة وبني بكر ، انتهت بانتصار قصي ومن معه ، وهزيمة الآخرين وإجلائهم عن مكة ، وتمّ لقصي ولاية البيت وأمر مكة ، وجمع قومه من منازلهم - وكانت بعيدة عن البيت - إلى ما حول البيت ، فسمي : مجمّعا ، وتملك على قومه وأهل مكة فملّكوه ، وكان أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه . وصارت ماثر قريش كلها إلى قصي : الحجابة « 1 » ، والسقاية « 2 » ، والرفادة « 3 » ، واللواء « 4 » ، والندوة « 5 » ، فحاز شرف مكة كلها ، فما تنكح امرأة ، ولا يتزوج رجل من قريش ، وما يتشاورون في أمر نزل بهم ، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره . ولمّا بنت قريش بأمر قصي حول الكعبة دورها تركوا مكانا كافيا للطواف حول البيت ، وتركوا بين البيوت طرقا ينفذ منها إلى الحرم ، واتخذ لنفسه دار الندوة ، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة ، ففيها كانت قريش تقضي أمورها ، وقيل إن حليلا هو الذي أوصى بذلك لقصي لما انتشر ولده من ابنته ، فأبت خزاعة أن تمضي ذلك لقصي ، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة ، وقيل إن حليلا عهد بالمفاتيح إلى أبي غبشان وهو من خزاعة ، وكان رجلا سكّيرا ، فابتاعها منه قصي بزق خمر ، فقيل : أخسر من صفقة أبي غبشان . وكان قصي أول من سن الرفادة وجعلها فرضا على قريش ، حيث قال : « يا معشر قريش إنكم جيران اللّه ، وأهل بيته ، وأهل الحرم ، وإن الحجاج ضيف اللّه ، وزوار بيته ، وهم أحق الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج ، حتى يصدروا عنكم ففعلوا » .

--> ( 1 ) أن تكون مفاتيح الكعبة بيده فلا يدخلها أحد إلا بإذنه . ( 2 ) هي الشراب الذي كانوا يصنعونه لأهل مكة في الموسم من ماء زمزم يخلط تارة بعسل ، وتارة بلبن ، وتارة ينبذ فيه التمر والزبيب ، يتطوعون بذلك للحجيج من عند أنفسهم . ( 3 ) طعام كانت قريش تجمعه كل عام لأهل الموسم ويقولون : هم أضياف اللّه تعالى . ( 4 ) ما يعقد للحرب . ( 5 ) الاجتماع للمشورة .